من هو اكرم الحوراني ؟

• ولد أكرم الحوراني في الرابع من تشرين الثاني عام ١٩١١ ، ولقد ظل التاريخ الدقيق لولادته مجهولاً حتى تم العثور عليه مكتوباً

بخط والده رشيد الحوراني على كتاب “تاريخ أبي الفداء“ الذي كان يحتفظ به رشيد باعتزاز في مكتبة كبيرة تشهد على

حسن اطلاعه.

• توفي والده وهو دون سن الخامسة من العمر بالتفوئيد الذي تفشى في ذلك الوقت حيث كان يحمل المساعدات إلى المهاجرين

الأرمن الذين التجؤوا إلى خان عائلة البكري المجاور لمنزل الحوراني. رغم رحلته القصيرة في الحياة فإن رشيد استطاع أن

يترك سمعة جيدة وإرثاً مادياً استند إليهما أبناؤه وذلك عدا عن الإرث الديني للعائلة، فلقد استطاع بجده وعصاميته

أن ينتقل من تاجر للأقمشة وصانع لها إلى موظف في مديرية النفوس، ثم الى عضوية مجلس مدينة حماة ومن ثم إلى

مرشح لمجلس المبعوثان. وخلال رحلته هذه ربطته أواصر صداقة مع شخصيات وطنية عديدة مثل شهيد حماه علي

الأرمنازي أحد شهداء أيار وعضو الجمعية العربية الفتاة، ورضا باشا الركابي الذي نزل في منزل العائلة عند زيارته

حماة، إكراما لذكرى رشيد بعد وفاته.

• بعد انهيار حلم الثورة الشريفية الكبرى بدولة عربية كبيرة ومستقلة كانت قد دغدغت أحلام أكرم وهو لم يتجاوز التاسعة، وفي

بلاد محتلة ومفتتة إلى دويلات على أساس طائفي ومناطقي، بدأ وعيه الطفولي بالتشكل. كان الاحتلال الفرنسي حدثاً

قاسياً لما حمله من تأثير مباشر عليه، عندما أجلى العائلة عن منزلها في مدينته حماة وحولها إلى مشفى. كما لم يستطع

الحوراني أبداً أن يمحو من ذاكرته تلك الركلة التي رمته في وحول الشتاء وهو في طريقه إلى مدرسته، وجهها له جندي

فرنسي عندما لم ينزل الطفل إلى الطريق ليفسح الرصيف متحدياً بذلك صلف الاحتلال. لكن بذور وعيه الوطني

الحقيقي في تلك الفترة من طفولته شكلتها لحد كبير مدرسة دار العلم والتربية التي تأسست في حماة بمبادرة من الملك

فيصل الأول بمناهجها وأغانيها الوطنية وأساتذتها الذين كانوا من رواد الحركة التعليمية الوطنية، فمنهم مثلا الأستاذ

أحمد الوتار والأستاذ عثمان الحوراني اللذان اشتركا في ثورة ١٩٢٥ فسجن الأول ونفي الثاني إلى البحرين، ولنا بعد ذلك

أن نتخيل ما تركته هذه الثورة من وقع خاص في ذاكرة الطفل وتكوينه.

• انتهت دراسته الابتدائية فكان عليه مغادرة حماة إلى دمشق لإكمالها في تجهيز مكتب عنبر، و ليسكن مع عمه مصطفى

الحوراني، الشخصية المرموقة وعضو الكتلة الوطنية. بدمشق بدأ وعيه السياسي بالنضوج، فقد رافق عمه وتقصد

الذهاب إلى الحفلات السياسية مما أتاح له الاستماع لهامات وطنية عديدة مثل فوزي الغزي، فكانت دمشق بمثابة

معهد عرّفه على تاريخ القضية الوطنية.

• بعد انتهاء المرحلة الثانوية اختار الحوراني دراسة الطب في الكلية اليسوعية اللبنانية التي اضطر إلى مغادرتها وعودته إلى دمشق

إثر المحاولة الفاشلة لاغتيال صبحي بركات، لكن لبنان أتاح له -وهو من السياسيين الذين لم يغادروا سوريا- التعرف

على تيارات سياسية وفكرية جديدة ومغايرة.

• انتسب إلى كلية الحقوق عام ١٩٣٤ حيث كانت “مجلة الأحكام العرفية” (أصدرها السلطان العثماني عام ١٨٦٩ ) مازالت تُدرس.

ومثله مثل الكثير من أبناء جيله الذين بدأوا يتوقون للحداثة، شعر بضرورة التغيير حيث كانت هذه المجلة بأحكامها

في واد وواقع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في واد آخر، هذه المجلة التي استطاع المجلس النيابي في ١٩٤٩ تعديلها

بإدخال قانون البيّنات عليها.

• في عام ١٩٣٦ انتسب الحوراني إلى الحزب القومي السوري حيث لم يستمر انتسابه لهذا الحزب طويلاً… وأدرج ذلك في مذكراته

تحت عنوان التجربة والخطأ.

• من أهل “الصفة” ذات الطابع الشعبي والثقافي ومنها أكرم الحوراني، ومن مناضلي ثورة ١٩٢٥ ، ومن الثوار الحمويين الذين شاركوا

في ثورة فلسطين ١٩٣٦ ، الذين التفوا جميعاً حول عثمان الحوراني، تأسس حزب الشباب عام ١٩٣٨ ليشكل استمراراً

للحركة الشعبية التي عرفتها المدينة بصبغة أكثر جذرية، ومتمايزاً عن الكتلة الوطنية بطابعه الاجتماعي الواضح. وضع

الحوراني بمشاركة بدر الدين علوش برنامج الحزب الجديد، برنامجاً اتسم بصبغة اجتماعية وأهداف برنامجية تثير

الانتباه، وكان بخطوطه العامة البرنامج الذي سيلتزم الحوراني به والذي سيحكم بالمجمل حياته السياسية وتحالفاته

القادمة.

١٩٤١ تكونت فرقة من ٢٤ متطوعاً تضم الحوراني مع مجموعة من حزب الشباب وثلاثة ضباط في جيش الشرق لنصرة ثورة رشيد •

عالي الكيلاني في العراق, وربما كان ذلك أول اتصال للحوراني مع الجيش.

• في انتخابات ١٩٤٢ – التي كانت الأولى التي تجري في ظل بلاغ الاستقلال لعام ١٩٤١ الذي أملته الهزائم الفرنسية خلال الحرب

العالمية الثانية وظل حبراً على ورق – أصر حزب الشباب على ترشيح الحوراني ممثلاً عنه.

المعركة الانتخابية الأولى، والحركة الشعبية في حماة

• خاض أكرم الحوراني بنجاح انتخابات عام ١٩٤٣ وهو على قائمة الكتلة الوطنية، بعد تسوية صعبة قامت بها لجنة الإصلاح المؤلفة

من شخصيات حموية اعتبارية لإطفاء طبول فتنة دامية بين الحركة الشعبية بمرشحها أكرم الحوراني ممثلاً عن حزب

الشباب، وبرئيف الملقي ممثلاً أخراً عن الحركة، وبين قائمة طبقة الذوات “الإقطاع” التي بدأت تستشعر الخطر هذه

المرة كما لم تشعر به من قبل، لأن الصراع بين هذين الاتجاهين لم يكن وليد الساعة بل كان صراعاً قديماً له جذور.

• هنا لا بد من كلمتين عن هذه الحركة الشعبية التي تميزت بها المدينة، وإليها انتمت عائلة أكرم الحوراني، بما يلقي الضوء على

البيئة التي ساهمت في نشأته وتكوينه.

• امتدت جذور الحركة الشعبية في حماة إلى أواخر العهد العثماني، وعلى الرغم من أنها كانت قد تعرضت إلى ضربتين موجعتين،

أولهما خلال ثورة ١٩٢٥ باستشهاد زعيمها المرموق الدكتور صالح قنباز و بإغلاق فرنسا للنادي العربي وفرار بعض من

اعضائه، ومن ثم في انتخابات ١٩٢٨ بخسارة مرشحها المرحوم توفيق الشيشكلي أمام مرشح طبقة الذوات المرحوم

حسني البرازي. إلا أن الثورة الشعبية التي أعقبت تزوير فرنسا لانتخابات ١٩٣٢ لصالح قائمة الإقطاع الموالية أجبرت

فرنسا إلى الاعادة وإلى التزام النتائج المحقة ونجاح مرشح الحركة الشعبية المرحوم توفيق الشيشكلي وخسارة حسني

البرازي* ١: وكذا كان الحال في انتخابات ١٩٣٦ و ١٩٤٣ حيث تم الوصول إلى القائمة الموحدة بتسوية صعبة بين

الاتجاهين. في هذا الجو خاض الحوراني معركته الانتخابية الأولى استمراراً لحركة شعبية وطنية شجاعة، أضحت أكثر

جذرية وأغنى بتجاربها.

• يعزو أكرم الحوراني في مذكراته خسارة والده في انتخابات مجلس المبعوثان إلى وقوف الأسر الاقطاعية ضده أمام المرشح الآخر في

كل من حماة وحمص لأنه كان ينتمي الى هذه الحركة الشعبية، ويبدو أن ذلك يحمل قدراً كبيراً من الصحة على ضوء

ما ذكرناه.

الحياة النيابية

• ما سبق يدعونا للقولٍ أنه وفي خضم حركة التاريخ وصراع المصالح بين المكونات الاجتماعية، قُدّر لأكرم الحوراني أن يكون هو من

أفرزته هذه الحركة ليمثلها. وهي وإن أعطته ملامح تكوينه ونشأته فلقد أثر هو فيها بالمقابل ورسم الكثير من

ملامحها وكان ممثلاً صادقاً واميناً لها.

• رافضاً المساومات المقدمة إليه، و مفضلاً الفشل بالانتخابات على قبوله بتعديل الدستور لتمديد فترة الرئاسة لدورة ثانية مقابل

١٩٦٢ دائماً بقائمة ،١٩٥٤ ، دعم الكتلة الوطنية له، نجح الحوراني بانتخابات ١٩٤٧ . ثم كان نجاحه المتوالي في ١٩٤٩

منفصلة، وعلى برنامج انتخابي معروفة أسسه وأهدافه.

• في نهاية ١٩٤٧ بعد قرار التقسيم كان الحوراني ضمن فرقتين من المتطوعين متوجهاً من حماة إلى فلسطين .* ٢

• في الحقيقه لقد شكلت القضية الفلسطينية بعداً محوريا في حياة الحوراني، ففلسطين لديه لا تزال جزءاً من بلاد الشام، وهو

أطلق عليها عدة مرات في مذكراته “سورية الجنوبية”، كما كانت قناعته تامة بتناقض المشروع الصهيوني مع طموحات

شعوب المنطقة بالتقدم والازدهار والتحرر. ولقد زاد من يقينه هذا قيام الصندوق اليهودي لحوران بشراء أراضٍ في

قرية سحم الجولان من أحد الإقطاعيين السوريين، الفضيحة التي تدخل فيها القضاء ليبطل هذه البيوع، ما سبق عزز

إيمانه أيضا بأن تحرير الفلاح وترسيخ ملكيته للأرض ومساعدته على استثمارها بأحسن الوسائل هو الطريق الوحيد

للدفاع عنها وحمايتها، خصوصاً مع ما تسرب عن قيام الإقطاع اللبناني والسوري ببيوع أملاكهما لليهود في فلسطين. وما

لاحظه الحوراني من التقدم التقني الكبير للمستوطنات. لم يعد مستغرباً بعد كل الذي أسلفناه بهذا الخصوص أن

يكون الحوراني هو من وضع في ١٩٤٩ المرسوم التشريعي الذي نص على عدم تطبيق شروط الجنسية السورية على

الفلسطينيين العرب عند طلبهم التوظف في دوائر الدولة والمؤسسات العامة، وبأن يعاملوا معاملة السوريين مع

احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية. وليقوم بعد ذلك بفتح أبواب الكلية العسكرية أمامهم عندما كان وزيراً للدفاع في

العام نفسه.

١٩٤٩ تقلد الحوراني وزارتين للزراعة و الدفاع في وزارة هاشم الأتاسي وخالد العظم على التوالي. •

١٩٥٠ تحول حزب الشباب بقيادته إلى حركة الاشتراكيين العرب الذي ظل برنامجها محافظاً بأساسياته على منطلقات حزب •

الشباب. بعد أقل من سنتين اندمجت الحركة بحزب البعث العربي ليتألف حزب البعث العربي الاشتراكي على أرضية

المناهضة لدكتاتورية الشيشكلي حاملاً منذ نشأته بذور إشكالات كبيرة بين المكونين.

• بعد زوال ديكتاتورية الشيشكلي حصل الحزب الجديد على ١٧ نائباً في انتخابات ١٩٥٤ فكان الكتلة البرلمانية الأكثر تماسكاً

والثانية من حيث العدد.

. • انتخب الحوراني رئيسا لمجلس النواب منذ ١٩٥٧ حتى قيام الوحدة في ١٩٥٨

• في ١٩٥٨ عينه الرئيس عبد الناصر نائباً أولاً له في الإقليم الشمالي. قبل أن يستقيل في أيلول ١٩٥٩ بسبب عدم رضاه عن قضايا

كثيرة أهمها الحكم المطلق لناصر؛ وتحويل نهر الأردن, والسياسة المالية الخ…

• عاد إلى ممارسة الحياة السياسية بعد انقلاب أيلول ١٩٦١ الذي قام به الحناوي مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر الذي أنهى

عهد الوحدة.

• في فترة الانفصال توسعت شقة الخلاف داخل الحزب “المندمج” ولم يعد العمل ممكناً للطرفين فيه. وفي المؤتمر القومي الخامس

للبعث بحمص ١٩٦٢ تم فصل الحوراني رسمياً من صفوفه وتكرست عودة الاشتراكيين العرب حركة منفصلة إسماً

وفعلاً، وليقوم البعث بالاشتراك مع القوى الناصرية بانقلاب الثامن من آذار ١٩٦٣ بعد فترة وجيزة من ذلك.

١٩٦٢ شارك الاشتراكيون العرب بحكومة خالد العظم. الحكومة الأخيرة في العهد الديمقراطي. التي أعلنت ترابطاً لا انفصام فيه •

بين الديمقراطية السياسية والاجتماعية، وأكدت مضيها في مسار الإصلاح الزراعي مع تصويبه, والبدء بمشروع سد

الفرات ومشاريع مهمة أخرى, والعودة بسوريا للحياة الديمقراطية الصحيحة فقامت بإلغاء حالة الطوارئ، و بوضع

قانون خاص يحدد شروط وآلية إعلانها. وحددت موعد الانتخابات القادمة في تموز ١٩٦٣

• استبق انقلاب الثامن من آذار ١٩٦٣ موعد الانتخابات المقرر، فكانت الضربة التي أنهت العهد الديمقراطي في سوريا.

• بعد الانقلاب مباشرة تم إصدار العزل السياسي بحق الحوراني وقدم إلى المحاكمة بدعوى التجسس والنيل من هيبة الدولة

واغتصاب السلطة, ومس الشعور القومي الخ…!!!

• يتطابق تقريباً عمر الحياة السياسية للحوراني مع عمر الحقبة الديمقراطية منذ ١٩٤٣ إلى نهايتها ١٩٦٣ . وعلى الرغم مما حملته

بعض محاولات له في مقاومة حقبة القمع المديدة من تأثير ما على الأحداث، لكنه فعليا فقد الآليات الديمقراطية التي

اعتمد عليها وعمل من خلالها لتحقيق برنامجه.

• قضى بقية حياته بين المنافي المرهقة، وتقصد نظام الأسد محوه من ذاكرة الأجيال السورية تماماً كما محى الحقبة السياسية كلها

. من الذاكرة السورية لأجيال متتابعة. وتوفي غريباً عن وطنه في ١٩٩٦

الحوراني في صفوف المعارضة

• في الحقيقة لا يمكن الاقتصار على حياة الحوراني السياسية ضمن ما سبق إيراده، وذلك لأنه قضى جل حياته السياسية في صفوف

المعارضة السياسية؛ وكان من القلة من السياسيين التي انتهجت مبكراً برنامجاً واضح المعالم وسارت عليه. وهنا سنمر

مروراً سريعاً على هذا البرنامج بالعموم ونشير إلى بعض المحطات في أبعاد هذا البرنامج من حيث البعد الاجتماعي

وتعزيز الآليات الديمقراطية والاستقلال.

البرنامج

• عبر الحوراني عن الخطوط العريضة لبرنامجه عبر المعادلة البسيطة الآتية: لا يمكن للمجتمع العربي الزراعي المتخلف أن يتحرر

من الاستعمار الخارجي إلا بالقضاء على الاستغلال الداخلي, ولا يمكن القضاء على الإقطاعية السياسية إلا بتحالف فقراء

المدينة مع الفلاحين في الريف، بمنأى عن العصبيات الطائفية والعشائرية، في حركة واحدة لبناء مجتمع جديد أكثر

عدلاً. (كان الفلاحون السوريون الذين يعيشون في ظروف قاسية وبائسة يشكلون ما يقارب ٦٠ ٪ من المجتمع السوري

وذلك عدا فقراء المدن).

• لم يكن دفعه نحو نظام يكفل المزيد من الحريات العامة سبيلاً للوصول إلى مجتمع أكثر عدلاً نابعاً من منطلق أخلاقي فقط، بل

كان برأيه السبيل الوحيد لاحتواء توترات اجتماعية قائمة، عبرت عن نفسها بالعنف أحياناً كثيرة، ولتأطيرها ضمن حراك

مطلبي سياسي سلمي، تصب محصلته في المصلحة الوطنية العامة.

محطات في الديمقراطية الاجتماعية والسياسية والاستقلال

• طوال حياته استمر الحوراني يعمل من أجل تحسين أوضاع الفلاحين والمردود الزراعي للبلاد بالعموم, مبتدئاً بمطالبته بتوزيع

أراضي أملاك الدولة على الفلاحين والبدو, وبوقف توزيعها على المتنفذين وكبار الملاك وشيوخ العشائر حتى تم البدء

٣. وفي نفس الفترة تم إرسال البعثات الزراعية * فعلياً بتوزيع قطع صغيرة منها عليهم في حكومة هاشم الأتاسي ١٩٤٩

الأولى إلى الخارج، وتشكلت لجنة لوضع أسس قانون حماية الفلاح التي ظهرت أهميتها في دستور ١٩٥٠ الذي تضمنت

مواده تحديداً للملكية الزراعية (لكن دون أثر رجعي بفارق أصوات ضئيلة جداً) وطالب بسن قانون لحماية الفلاح،

. هذا القانون الذي لم تسمح الظروف بأن يرى النور إلا في عام ١٩٥٧

• في هذا المجال سمح تجفيف مستنقعات الغاب (الذي كان برنامج حزب الشباب قد أشار بالعموم إليه) باستصلاح مساحات

شاسعة من الأراضي الزراعية التي تم توزيعها على الفلاحين والبدو لتوطينهم، هذا المشروع الذي ارتبط اسمه بالحوراني

لمطالبته المتواصلة به، و لطرحه المبكر له منذ فترته النيابية الأولى، والذي تم إنجازه في حكومة خالد العظم التي كان

. الحوراني وزيراً فيها عام ١٩٥٠

• ولم يتوقف الحوراني عن العمل من أجل إصدار التشريعات التي تخدم حقوق الفلاحين، إلى أن جاءت الوحدة السورية- المصرية

عام ١٩٥٨ فصدر أول قانون للإصلاح الزراعي، الذي تضمن تحديد الملكية وتوزيع الأراضي على الفلاحين.

• على صعيد مواز شكل المؤتمر الفلاحي الحاشد والفريد من نوعه لا على صعيد سوريا فحسب بل على صعيد المنطقة بالعموم –

والذي عقد في حلب في وقت مبكر بعيد الاستقلال ١٩٥٠ – إشارة واضحة إلى قدرة الحزب العربي الاشتراكي بقيادة

الحوراني على بلورة حركة فلاحية واضحة المعالم تجاوزت الانقسامات الدينية والمذهبية والعشائرية بقيامها على أساس

برنامج مطلبي ديمقراطي.

• نورد في هذا المجال الحادثة التي كادت في عام ١٩٤٦ تودي بحياة الحوراني لمطالبته من على سدة البرلمان بإلغاء دائرة العشائر

والقانون الخاص بهم، الأمران اللذان عزلا هذه الشريحة الاجتماعية الهامة عن محيطها، وأخضعاها تماماً إلى سلطة

الانتداب والإقطاع العشائري معاً. خطوتان مهمتان في طريق تحرير أبناء العشائر من سلطة الإقطاع العشائري، بهدف

دمجهم في القضايا الاجتماعية والوطنية العامة, إضافة إلى ما كانت تمثله هذه الخطوة من تعزيز لوحدة القضاء

وسيادته.

• لم يكن لتطور القانون الانتخابي الذي كان للحوراني دورا محوريا فيه -خصوصاً ما تلى ١٩٤٧ – تأثيره المهم على ما أشرنا إليه من

تبلور مبكر لهذه الحركة الفلاحية فقط، بل كان له تأثيره الهام على انخراط جزء كبير من الشعب السوري في العملية

السياسية التي كان مغيباً عنها، وفي تحرير إرادة شرائح اجتماعية عديدة منه للمشاركة بها، كما هدفت هذه

التعديلات إلى إلغاء الطائفية الانتخابية بهدف جعلها مرتكزة على أسس برنامجية.

• فكان التعديل الاول للقانون الانتخابي بعد الاستقلال هو التعديل الذي جعل الانتخابات على درجة واحدة في انتخابات ١٩٤٧

(ملغياً الانتخاب على درجتين الذي ساعد الانتداب سابقاً على تحكمه بالنتائج). ومن الأهمية في هذا السياق أن يرجع

القارئ إلى المرسوم التشريعي ٥٠ في نهاية ١٩٤٦ . حيث كانت بعض بنود هذا المرسوم واحدة من أهم محاولات

السلطة التنفيذية في تقييد الحقوق السياسية للسوريين بعد الاستقلال مباشرة، فكان المرسوم في بعض بنوده بديلاً

مباشراً عن قانون الطوارئ الفرنسي في عهد الانتداب, إذ خول وزير الداخلية التصرف حسب تقديراته بحل الأحزاب

وإغلاق المطابع واسترداد امتيازات الصحف الخ… كما خول المحافظ سلطة التصرف بالجيش في الأمور الداخلية بأي

وقت يشاء!!! الخ… ولقد أدت الانتفاضة الشعبية بقيادة النخب الطلابية إلى إسقاطه، و إلى إقرار قانون الدرجة

. الواحدة، ومن ثم إجراء انتخابات ١٩٤٧

• أما قانون الانتخاب لعام ١٩٤٩ فلقد أعطى المرأة السورية حقها في الانتخاب, وهو ما تسبب بحملة شرسة من المتعصبين من

رجال الدين على الحوراني اتهمته بالكفر والإلحاد. بالإضافة لما سبق أقرت مواد هذا القانون خفض سن الانتخاب إلى

١٨ ، وإلغاء المقاعد المذهبية, وتقليص مقاعد العشائر.

• وفي القانون الانتخابي لعام ١٩٥٤ تم إقرار وتنفيذ حق المواطن السوري بالاقتراع السري * ٤، مما حمل إلى المجلس رياح تغيير قوية

على مستوى التركيبة المزمنة لكتله التقليدية، وأسفر عن حملة غربية شرسة أفلتت من عقالها بدأت تهول من الخطر

الزائف لسوريا الشيوعية.

• لقد وقف الحوراني طوال حياته السياسية ضد تطاول السلطة التنفيذية على الحقوق السياسية للسوريين وعلى تقييد حرياتهم،

فلم يكن المرسوم ٥٠ آخر المحاولات في هذا السياق. وتشهد الوثائق المجلسية أنه كان ممن وقفوا بقوة ضد كل

المحاولات اللاحقة فاضحاً عدم دستوريتها ومطالباً بإلغائها؛ كحالة الطوارئ غير الدستورية لعام ١٩٤٨ والتي أريد لها

أن تبقى وتستمر؛ وكذلك حالة الطوارئ التي أريد لها أن تستمر أيضا إلى ما بعد سقوط ديكتاتورية الشيشكلي،

وكذلك القانون الذي استمر إلى ما بعد انتهاء الوحدة وامتد إلى عهد الانفصال، والذي لم يتم إلغاؤه إلا قبل الثامن من

آذار بأشهر قليلة.

• ترافق تطور القانون الانتخابي السوري مع ترسيخ عمل المجلس النيابي في ممارسة سلطته.

• فمن على منبر المجلس تساءل النائب الشاب، أصغر النواب سناً في أوائل الجلسات: أين البرنامج الذي سنحاسب وسنراقب أداء

الحكومة على أساسه حسب ما تقتضيه الأصول الديمقراطية؟! كان ذلك أول اعتراض يسجله على أول حكومة حازت

الثقة دون أن تقدم برنامجها في ١٩٤٣ . بعد ذلك لم تشذ حكومة عن هذا التقليد الديمقراطي المهم.

• وفي ١٩٤٥ ورغم رفض طلبه بتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في أداء مؤسسة الإعاشة (الاقتصاد)، وإصرار الحكومة على لجنة

حكومية يتم انتدابها لهذه المهمة، فإن المرافعات والنقاشات القانونية والدستورية الرفيعة في مستواها للنواب رسخت

هذا الحق بقرار تم التصويت عليه. وفتح ذلك الطريق لأول لجنة برلمانية في العالم العربي للتحقيق فيما يخص أمر

الجيش بعد هزيمة ١٩٤٨ ، وربما هي من النوادر في تاريخ النظام العربي والأخيرة في تاريخ سوريا, وذلك على الرغم من

أن حسني الزعيم حفظ التحقيق من الاستكمال!

• ولم تكد تنقضي سنوات قليلة بعد ١٩٤٣ إلا وقد امتلك المجلس حقه بمراجعة عقود وميزانيات الشركات ذات الامتياز الأجنبي

التي عملت خلال فترة الانتداب والتي طالت كل مناحي الاقتصاد السوري* ٥ وحقه في التصديق على الاتفاقات قبل

إقرارها كل ذلك جعل سوريا من أوائل الدول في العالم العربي التي أنجزت استقلالها العسكري والاقتصادي أيضاً وإلى

حد بعيد.

• على قناعة تامة من أن وعود فرنسا بالاستقلال ناجمة عن ضعفها إثر الحرب العالمية الثانية، ومدرك تمام الإدراك لتناقض المحاور

الدولية وللاختلافات المصلحية البينية ضمن المحور الواحد، اندفع من على منبر المجلس يطالب بحق بلاده في ممارسة

استقلال غير منقوص، وساهم مساهمة فعالة في استقلال سوريا الدستوري الذي تم إنجازه في بداية ١٩٤٤ وذلك عبر

مطالبته جميع النواب والوزراء بأداء القسم على دستور ١٩٢٨ الذي كتبته الجمعية التأسيسية المنتخبة عقب الثورة

السورية الكبرى، قبل أن يعطل الانتداب المواد التي تضمن استقلال سوريا بإضافة المادة ١١٦ التي أقرت الانتداب

والتي درجت المجالس السابقة منذ ١٩٣٢ على القسم بوجودها. وكذلك دوره السياسي و مع حزب الشباب في ثورة

١٩٤٥ التي أجبرت فرنسا على تسليم الفرق السورية الخاصة من جيش الشرق إلى الحكومة الوطنية السورية.

• ولأهمية هذا وذاك كان إسهامه في الجلاء الناجز لجميع القوات الفرنسية عن سوريا دون قيد أو شرط، بتصديق أغلبية المجلس

النيابي على مقترحه، الذي نستطيع تسميته بحق “وثيقة الاستقلال” التي حملت توقيعين أحدهما له كمقرر لللجنة

البرلمانية الخارجية, والثاني لرئيسها خالد العظم, والتي قضت بالجلاء التام و بانسحاب كل القوى الأجنبية عن الأراضي

السورية دون قيد أو شرط، و بالرفض القاطع لاتفاقية بيفن بيدو (اتفاق كان قد تم بين فرنسا وبريطانيا على إبقاء

قوى عسكرية كافية لهما على الأراضي السورية واللبنانية)، و بإلزام الحكومة بالعمل من أجل ذلك على مستوى

الجامعة العربية وهيئة الأمم، وبتعبئة البلاد للمقاومة إذا ما دعت الحاجة. فأغلقت بذلك الأبواب أمام كل المحاولات

لربط هذا الانسحاب باتفاقات امتيازية مقابلة. ولا بد هنا من الإشارة الى المرحوم فارس الخوري ووفده المرافق الذي

قام بالمهمة التنفيذية في الأمم المتحدة على أكمل وجه ليتحقق حلم السوريين بجلاء آخر جندي أجنبي عن التراب

السوري في نيسان ١٩٤٦ تطبيقاً للقرار الصادر عن مجلس الأمن رداً على الشكوى التي تقدمت بها الحكومة السورية

ملتزمة بقرار المجلس النيابي وبالمطالب الشعبية.

• لم يكن الحفاظ على استقلال سوريا الناجز على الصعيدين العسكري والاقتصادي بالعملية السهلة بتاتاً في ظل نظام عربي لم ينجز

استقلاله كاملاً وفي ظل تبعيته للمصالح المتضاربة للدول المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تقاسمت المنطقة

واستمر نفوذها فيها متمثلاً بمحاور عربية تصارعت على سوريا واتفقت وتعاونت على احتوائها وعلى إنهاء تجربتها

الصاعدة. بين هذه المحاور دافع الحوراني بشراسة عن الاستقلال والنظام الجمهوري والتزم بنهج سياسة الحياد وعدم

الانصياع لأي محور ينال منهما وفي الوقت نفسه كان واحدا ممن دفع بمشاريع تدعم العمل العربي المشترك سبيلاً إلى

. تخفيف الضغوط عن البلاد ودعم قدرتها على المواجهة خصوصاً بين أعوام ١٩٥٤ إلى قيام الوحدة ١٩٥٨

• بعد هذه الجردة المختصرة عن نشأة الحوراني وحياته السياسية وبرنامجه: بقي موضوع واحد أثار الكثير من الجدل؛

علاقة الحوراني بالجيش

• لم تمتلك سوريا جيشاً وطنياً في عهد الانتداب كما كان الحال في مصر والعراق، فلقد حل الانتداب الجيش الوطني المتواضع الذي

أنشأه الملك فيصل. وشكل ما يسمى بالقطعات السورية الخاصة لجيش الشرق على أسس عنصرية وطائفية وعشائرية.

• في عام ١٩٤١ بعد بيان الاستقلال الشكلي الذي أعلنته فرنسا ضمن ظروف الحرب العالمية الثانية، تم إنشاء وزارة سورية للدفاع

بموظفيها ومستشاريها الأجانب لكن دون جيش (!).

• ظلت قضية تشكيل جيش سوري منذ ١٩٤٣ عنواناً لاستقلال البلاد، وقضية شغلت كل نقاشات الموازنات، وطرحها الحوراني دون

كلل من على منبر المجلس مستنداً في ذلك على ما أقره الدستور السوري من حق سوريا في إنشاء جيشها، وعلى الضغط

الشعبي المتصاعد.

• منذ منتصف ١٩٤٤ اضطرت فرنسا لتسليم المصالح المشتركة إلى الحكومة الوطنية، لكنها امتنعت عن تسليم القطعات السورية

في الجيش الذي أنشأته، فأضحت قضية استلام الجيش عنواناً شعبياً عاماً لاستكمال الاستقلال.

• شكلت اتصالات الحوراني السرية مع أفراد وضباط من هذه القطعات لتهيئتهم للانشقاق والالتحاق بالحكم الوطني عندما تزف

الساعة خطوة مهمة في علاقته مع الجيش، وكانت فاتحتها لقاؤه مع الشهيد عدنان المالكي، وبالفعل مع بدء ثورة

١٩٤٥ لبى الكثير منهم النداء فانشق عن الجيش الفرنسي وبدأ بالالتحاق بالحكم الوطني، ورفضت بعض القطاعات

الخاصة وضباطها الاشتراك في قصف المدن السورية ملتحقة بالقوى الثورية، وتواصل ذلك رغم إعلان بريطانيا وقفاً

عاماً لإطلاق النار. إلى أن انصاعت فرنسا وقامت بتسليم كل الثكنات العسكرية وما تبقى من القطعات السورية التي

كانت قد سحبتها للبنان إلى الحكومة الوطنية في دمشق. فكان أول عرض عسكري للجيش السوري المستلم في آب

.١٩٤٥

• لم يكن الحوراني بغافل عن العقيدة التي أنشأ الفرنسيون عليها القطعات السورية المستلمة من الجيش الفرنسي ولا عن بنيتها،

وقد قال ذلك بوضوح في المجلس النيابي, وهذا ما جعله مستمراً في مطالبته بإيلاء المدرسة العسكرية وتوجهاتها عناية

خاصة، و بالعمل على إقرار الجندية الإجبارية التي لم تطبق إلا قبل دخول الجيش السوري معركة فلسطين بأسابيع.

• أما الخطوة الثانية البالغة الأهمية فكانت مشاركته في حرب فلسطين ١٩٤٨ التي ساهمت في توسيع علاقته وشعبيته داخل

صفوف الجيش، وكشفت له مدى الضعف والإهمال الذي يعانيه. و الخطر الكبير للمشروع الصهيوني إذا ما ترسخ،

وظهرت له إمكانية اللحظة الراهنة التي ربما لن تتوفر لاحقاً في كسر هذا المشروع، وذلك للانتصارات الأولى التي

حققتها الجيوش العربية، رغم سوء تجهيزها والتي فرط بها غياب الإرادة الحقيقة لدى الحكومات القائمة وتغييب

شعوبها.

• ما سبق دفعه للمطالبة الدؤوبة بالعناية بالجيش وتجهيزه وتدريبه وهذا ما لاقى صدى ايجابياً إضافيا في صفوفه.

• لم يُخْف الحوراني يوماً علاقته بالجيش. وهو لم يتأخر بمناسبات عدة عن استعمال ما له من نفوذ في لجم طموحات بعض

الشخصيات العسكرية، وبعض بوادر التمرد* ٦ وكان يُقدِم على ذلك أحيانا بطلب من القيادات السياسية نفسها فكان

صمام الأمان حين استطاع لاستمرار النظام الجمهوري الديمقراطي الذي لم يحد عن الإيمان به.

• وعلى مدار عمله السياسي احترم الأصول الديمقراطية وعمل على الدفع قدماً لترسيخ أطرها الهشة والفتية.

• عارض القيادات المدنية والعسكرية حسب ما يمليه عليه التزامه الصارم بمبادئه وببرنامجه السياسي وقناعته بالحفاظ على سوريا

خارج هيمنة المحاور, وعقد تحالفاته السياسية على هذه الأسس فبدت هذه التحالفات غير مفهومة للكثيرين.

• ربما كانت حركة العقداء هي الحركة الوحيدة التي تقاطعت مع موقف الحوراني الرافض لانزلاق سوريا إلى المحور البريطاني

متمثلاً بعراق نوري السعيد، فأوقفت الانحدار المتسارع لعهد الحناوي* ٧ في هذا الاتجاه، ومهدت إلى انتخابات

. المجلس التأسيسي الذي وضع دستور ١٩٥٠

• كما كان لنفوذه بالجيش مساهمة أساسية لم ينفها في إنهاء الحقبة الديكتاتورية للشيشكلي وعودة الحياة الديمقراطية وكف يد

الجيش عن التدخل بالحياة السياسية.

• وفي هذا السياق كان للاغتيال المدبر دولياً للشهيد عدنان المالكي الدمشقي المنبت، والمقرب من الحوراني واتجاهه السياسي أثره

على نفوذ الأخير في الجيش، وعلى انفراط عقد النواة الصلبة التي كانت تلتقي حولها كتل الضباط على اختلاف

توجهاتها. حيث بدت بعد زوال العهد الديكتاتوري للشيشكلي ممسكة بلجام الجيش ومصممة على منعه الخوض بأي

مغامرة عسكرية وهذا ما ترك أثره على الأحداث اللاحقة حتى الثامن من آذار * ٨

• وفي الحقيقة كانت كل الانقلابات التي جرت بعيدة جداً بأهدافها عن برنامج الحوراني وما آمن به وعمل عليه، وقريبة من

محاور كان الحوراني يقاومها ويؤمن إيماناً قوياً بوجوب بقاء سوريا مستقلة عنها جميعاً.

• ولم يسجل على الحوراني أي تعاون مع العهود الديكتاتورية أو تسلمه لأي منصب خلالها.

• إن تضخيم علاقة الحوراني بالجيش والتركيز المستمر والمتكرر على اتهامه بكل الانقلابات العسكرية عن قصد أو غير قصد إنما

يؤدي إلى إغماط جزء من نضال الشعب السوري حقه. لأنه ينال من وراء شخص الحوراني تياراً اجتماعياً شعبياً كبيراً

ناضل من أجل حقوقه سلمياً و ديمقراطياً بما استوجبه ذلك من الدفع بالآليات الديمقراطية ومن ترسيخ الاستقلال

الناجز للبلاد على كل الصعد، كما ويحرف النظر عن مصالح القوى الخارجية المتصارعة على سوريا التي التقى كل منها

مع مصالح قوى محلية* ٩ وشخصيات فاعلة في الداخل السوري. وعن دورها في هذه الانقلابات وفي رسم مسار التاريخ

السوري الحديث، كما ويتجاهل ما لعبه سعي هذه الدول من اجل تصفية القضية الفلسطينية من دور مهم في كل

ذلك أيضاً.

الهوامش:

١٩٤٥ إلى نجاح المرحوم توفيق الشيشكلي ويعزو ذلك إلى قدرته على شق صفوف طبقة – ١ يشير فيليب خوري في كتابه تاريخ سوريا والانتداب ١٩٢٠ *

الذوات” الاقطاع” بضم نجيب آغا البرازي إلى قائمته.

٢ عبد السلام العجيلي – ذكريات أيام السياسة ص ١٠٢ : „من بين الثلاثين الذين أعلنوا تطوعهم في تلك الجلسة لم يلتحق بهذا الجيش عندما بدأ *

عملياته إلا ثلاثة نواب، اثنان شاركا بأعماله منذ اليوم الأول والثالث لحق بهما بعد أيام إلى ساحة القتال. أول المتطوعين الثلاثة كان أكرم الحوراني.”

٣ خالد العظم مذكرات، ص ٢٩٤ ج ٢: „ولم ترق الآراء التقدمية التي التزمت بها طبقة معينة من أصحاب روؤس الأموال الضيقي التفكير، الذين *

ينكرون التطور الاجتماعي العالمي ولا يسمحون حتى باجراء تعديلات تطورية على النظام الاقتصادي. فهم يحرصون على الاحتفاظ بكل شيء، ولو كان

حرصهم هذا يؤدي إلى خسارتهم كل شيء. فإذا قلنا لهم أدوا القليل فتتجنبوا أخطار الشيوعية التي تخشون، قالوا أنك شيوعي. وإذا قلنا لهم عاملوا

عمالكم وفلاحيكم بالعدل والحسنى والإنصاف، قالوا انك تريد اثارة العمال والفلاحين علينا. وإذا اقترحنا توزيع الأراضي الشاسعة التي تملكها الدولة

على الفلاحين المعدمين، قالوا لا، نحن نأخذها ونحن نشغلهم عندنا. وإذا أردنا إشراك العمال في أرباح معاملهم، همدروا وقالوا هذه المشاركة فكرة

شيوعية. غير أنهم كانوا يصفقون لاقتراح إنشاء السدود لإرواء الأراضي العطشى، طمعاً بالحصول عليها”.

٤ خالد العظم مذكرات، ص ٢٩٨ ج ٢: „ويمكن الادعاء بأن إدخال أصول الغرفة السرية على الانتخابات النيابية طور الموقف السياسي والاجتماعي في *

سورية، في ١٩٥٤ ، بحيث أدت الانتخابات النيابية ما يطلب منها. وهو أن تكون مرآة صادقة لعواطف الناخبين واتجاهاتهم الصحيحة، بدون ضغط

وإكراه كانا يلازمان كل انتخاب سابق. وتمكنت الأحزاب التقدمية من الفوز بالانتخابات، حتى في القرى التي يملكها الرجعيون الإقطاعيون”.

٥ كل ذلك جعل اتفاقية التابلين الأمريكية واتفاقية النقد الفرنسية ترتطمان بحائط الموافقة المجلسية، فكانا سببان رئيسيان في انقلاب حسني الزعيم، *

ثالثهما القضية الفلسطينية واتفاقية الهدنة، فكان انقلاباً أمريكياً فرنسياً واسرائيلياً بامتياز، تم عبره إبرام كل ما سبق من اتفاقيات أخلت بالمصلحة

الوطنية. ويقول خالد العظم في مذكراته صفحة ٣٧٥ : “وكان موقف النواب السلبي تجاه هذا الاتفاق في طليعة الأسباب التي حملت حسني الزعيم

على القيام بانقلابه العسكري في الثلاثين من شهر آذار ١٩٤٩ وليس ذلك لأن حسني كان مهتما بتصديق الاتفاق، بل لأنه كان آلة صماء استعملها

الأمريكيون مباشرة، أو عن طريق الفرنسيين وعملائهم, للإطاحة بالحكومة وبمجلس النواب وإيصال حسني الزعيم إلى الحكم، فلا عجب أن يعمد فوراً

إلى إصدار مرسومين اشتراعيين. صدق وأبرم بهما كلاً من الاتفاقيتين”

ويقول عادل ارسلان في مذكراته بخصوص علاقة الزعيم مع إسرائيل ص ٨٣٩ “في جلسة مجلس الوزراء أمس قال الزعيم حسني الزعيم رئيس الوزراء

أن اليهود يريدون التفاهم؛ بسبب ضغط ترومن و شومان (شؤمان)، وأنه قبل

أن يأتي شرتوك بطائرة إلى القنيطرة، لأذهب فاجتمع إليه فيها، فقلت له، أني لن أعترف بدولة إسرائيل ولن أقابل وزير خارجيتها، ولن أسمح بأن يقابله

موظف في الخارجية، وأن حيل اليهود معروفة، والأمريكيون يحاولون سترها بتدخلهم بحجة أنهم أصدقاء لنا، وحاول فتح الله صقال أن يوهم زملاءنا

أن دخول إسرائيل في الأمم المتحدة يوجب علينا الاعتراف بها، فأسهبت في الرد عليه حتى سكت”.

هوامش الجيش

١٦٨ :”عندما أعلنت الحكومة الجديدة برئاسة صبري العسلي، عزمها على – ١٩٦٣ ص ١٦٧ – ٦ مصطفى الدندشلي حزب البعث العربي الاشتراكي ١٩٤٠ *

التخلص من القادة العسكريين الذين كانوا وراء التمرد المسلح (يقصد الضباط

البعثيين بعد ديكتاتورية الشيشكلي ١٩٥٤ ) وأصدرت أمراً بنقل مصطفى حمدون إلى الكلية الحربية في القاهرة، و كان ذلك قد أحدث في صفوفهم

نوعاً من التمرد في ذلك الوقت، لأن الكثيرين منهم اعتبروا هذا العمل تعبيراً عن العداء المباشر تجاه مجموعتهم، وعقد اجتماع في منزل العقيد عبد

الغني قنوت لاتخاذ قرار بالرد العنيف على الإجراءات الحكومية، إلا أن هذا القرار قد أوقف، و قد اقتضى ذلك أن يستخدم أكرم الحوراني كل سلطته،

حتى يعيدهم إلى الصواب، ويرجعهم الى ثكناتهم، ويقنع مصطفى حمدون بالإذعان للأمر.”

العجيلي الصفحة ١٦٨ : “وبعد أن حُلّ مجلسنا النيابي بانقلاب حسني الزعيم، في آذار/ مارس ١٩٤٩ . لم تنقطع صلتي بأكرم على الرغم من أني شخصياً

ابتعدت عن ميدان السياسة كمحترف لها. وفي أكثر من مناسبة، حين كانت تعصف ببلادنا عواصف الفوضى والاضطراب، كنت أستدعى مع من

يستدعون

للمشاركة في محاولات رأب الصدع، فكنت أجدني من جديد إلى جانب أكرم الحوراني في تلك المحاولات. وبينما أسارع أنا في الانسحاب إلى بلدتي وإلى

عملي في عيادتي والى نشاطاتي الأخرى المبعدة عن السياسة في أقرب فرصة

تتاح لي، بينما يظل أكرم خائضاً في معامعها إلى قمة رأسه.”

٧٧٤ :”أما استمرار نفوذ الجيش، فكان سببه رغبة أركان حزب الشعب في الحصول على تأييد الزعيم الحناوي لتحقيق فكرة – ٧ خالد العظم ص ٧٧٠ *

الاتحاد السوري – العراقي. و بلغ التخاذل امام أركان الجيش مبلغا كبيرا…”

“كان رشدي الكيخيا وناظم القدسي وعدنان الأتاسي يعدون العدة لجعل الحكومة الجديدة جسراً تمر فوقه البلاد نحو الاتحاد مع العراق. وقد أحكموا

الحلقة بضمهم اللواء الحناوي إلى صفهم. فعمل هذا الأخير، بالاتفاق مع بعض

الضباط القانعين بفكرة الاتحاد، على الإيقاع بالضباط الآخرين المعارضين لها”.

٨ في حديثه على تلفزيون الجزيرة مع أحمد منصور يشير حسنين هيكل بهذا الخصوص إلى خطة استراغل لفرط هذه النواة ودور عدنان المالكي بها: *

www.aljazeera.net/programs/with-haykal/2007/6/20

٩ يقول خالد العظم في مذكراته صفحة ٢٧٣ “أن المسؤولية الأولى والكبرى يجب توجيهها إلى الحزب الوطني وحزب الشعب. فقد قبل الأول التعاون *

مع حسني الزعيم وأوشك أن يتسلم صبري العسلي رئاسة الوزراء، لو لم يقع انقلاب الحناوي. أما الثاني فإنه خشي إفلات زمام الأمر منه فقبل الحكم

من يد الحناوي ….الخ .”